الأربعاء، 5 أغسطس، 2015

التظاهرات العراقية ... ونداء الإنسانية

احمد الملا


قال رسول الإنسانية محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " في حديث يعد منهجاً ودستوراً في كيفية تعامل الإنسان مع أخيه الإنسان, حيث قال صلوات ربي وسلامه عليه { لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه }, فكمال الإيمان وتمامه لا يتم إلا بإيجاد وتوفير ما يحبه الإنسان لأخيه الإنسان, بغض النظر عن دين وعقدية ومذهب ذلك الإنسان وهذا ما نجده واضحا في نص الحديث, فلم يقل – لأخيه المسلم أو أخيه السني أو أخيه الشيعي – وإنما قال لأخيه بصورة مطلقة ونحن كبشر بصورة عامة إخوة في الإنسانية وأيضا إخوة من آدم وحواء "عليهما السلام" فهما أصل البشرية وأبويها.
من أجل ذلك توجب على المتظاهرين العراقيين ممن خرج للمطالبة بحقوقه المسلوبة والمنهوبة من قبل عرابيّ الفساد ومافيات السرقة للمال العام, توجب أن تكون مطالبهم عامة وشاملة تخص جميع شرائح المجتمع العراقي وليس للمطالبة بأمر واحد أو قضية واحدة, ولفئة وشريحة وطائفة دون أخرى, فحسب قول النبي الخاتم لا يكتمل الإيمان هذا من جهة ومن جهة أخرى تنتفي الصورة الإنسانية في هذه التظاهرات وتصبح مطالبها مطالب شخصية ضيقة لا تدل على وعي وثقافة أبناء الرافدين الذين علموا البشرية معاني الإنسانية بتاريخهم وحضارتهم العريقة.
فلتكن مطالب المتظاهرين إنسانية لا شخصية, نعم من حق المتظاهرين أن يطالبوا بتوفير الكهرباء والماء والتعيينات, فهي مطالب مشروعة, لكن ليكن المطلب الأسمى هو المطالبة بحقوق الشعب العراقي جميعا بكل طوائفهِ ومِللهِ ونِحلهِ, فلتكن المطالب تتضمن توفير أفضل وأرقى الخدمات للنازحين والمهجريين العراقيين الذين كابدوا العناء والضيم من جراء بطش تنظيم داعش الإرهابي, فهم أخوتنا في الإنسانية والوطن قبل كل شيء.
فهل يقبل احد من المتظاهرين أن تفترش عائلته الأرض التي أصبحت كالصفيح الساخن من شدة حرارة الشمس؟! هل يقبل احد من المتظاهرين أن تستتر عائلته بظلام الليل الدامس دون ستر أو غطاء ؟! هل يقبل احدهم بأن تشرب عائلته الماء الساخن والآسن لتروي عطشها ؟! هل يرضى احدهم أن تبقى عائلته لأيام طوال دون غذاء أو دواء؟! فمن كان لديه مكان يأويه وعائلته ولم يتحمل انقطاع التيار الكهربائي لساعات, كيف يقبل بأن تكون هناك آلاف العوائل تسكن الصحاري الجرداء دون ماء أو كهرباء أو غذاء أو دواء ؟! هل يقبل الضمير الإنساني بان تطالب بحقوق بسيطة وتغض الطرف عن سلب مقومات الحياة عن أخيك في الإنسانية والدين والوطن ؟!.
فلنجعل تساؤول المرجع العراقي الصرخي في بيان " الكهرباء ... أو الاطفال والنساء والدماء "  نبراساً ومنهجاً نختطه لنتعلم منه كيف نتعامل مع الأحداث وكيف نطالب بحقوقنا وحقوق إخواننا الآخرين المظلومين, ومن هنا قال المرجع الصرخي ...
{{...6ـ بالتأكيد نحن معكم لأننا مِنْكم وفِيكم ومَعَكم وإلَيْكم ، فلَسْنا من الهند أو الباكستان أو أفغانستان أو الشيشان أو إيران أو غيرها من بلدان ، بل نحن من العراق ومن أهل العراق نشعر بمعاناتِكم ونتألّم لآلامكم ونحزن لحُزنِكم ، لكن هل سألتُم أنفسَكم هل الأوْلى والأرجَحُ والمتعيَّنُ والواجبُ أن تخرجوا من أجل الكهرباء لأنفسِكم الآن وفي هذا الوقت وهذا الحَرّ الحارق أو أن تخرُجوا من أجلِ إخوانِكم وأهلِيكُم وأطفالِكم ونسائِكم وشيوخِكم وأعراضكم النازحين المهجَّرين الذين سكنوا العراء ، والسعيد منهم من يحصل على خيمة ممزقة يحتمي بها ، تحرقُهم حرارة الشمس ولهيب الحر ويلسعُهم ويقرصُهم ويجمّدهم زمهرير البرد وهم عُطاشى جياع مرضى في رُعْبٍ وذلٍّ وَهَوانٍ ومنذ سنوات لا أملَ لهم في النجاة بل لا أملَ لهم في الحياة ، عشراتٌ بل مئاتٌ منهم من الأطفال والنساء والشيوخ ماتوا من لهيب الحرِّ ، ومِثْلُهُم ماتوا تحت قساوةِ البرد ...}}.
فالواجب الإنساني والوطني والديني والأخلاقي يحتم على كل من خرج في هذه التظاهرات أن يطالب بحقوق شركائه في الإنسانية والدين والوطن ممن لا حول ولا قوة لهم, وينتظرون من يعول عليهم ولو بكلمة تخفف من تلك المعاناة التي يعيشونها, فليتصور جميع المتظاهرين العراقيين أن من في مخيمات النزوح هو عوائلهم وأهلهم وذويهم وأحبتهم فماذا سيكون موقفهم؟! هل يطالبون فقط بتوفير الكهرباء أم ستكون مطالبهم أسمى وأرقى من ذلك ؟!, فلتكن مظاهراتكم أيها العراقيين هي تعبيراً صادقاً عن إنسانيتكم ووطنيتكم ووحدتكم وليكن قول النبي الخاتم محمد " صلى الله عليه وآله وسلم "  ... { مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّىِ } هو دستور وشعار تظاهراتكم, وليكن كلام المرجع الصرخي الذي أحبكم وعاش معاناتكم وأحزانكم وآلامكم, شعاراً وفكراً نيراً نستضيء به في هذه الظلمة الحالكة التي نعيشها.

رابط بيان المرجع العراقي الصرخي " الكهرباء ... أو ... الأطفال والنساء والدماء ؟؟!! "