الأربعاء، 3 يونيو، 2015

بين جسر بزيبز وكربلاء محاباة وطائفية





احمد الملا

في ظل الظروف الراهنة التي يمر بها العراق اليوم من حرب وصراع واقتتال طائفي بامتياز تحت ما يسمى بمحاربة داعش, نجد إن الشارع العراقي إنقسم إلى سماطين, الأول السماط السني, الذي لقي ما لقي من ويلات وتعذيب وقتل وتهجير, والسماط الأخر الشيعي, الذي أصبح هو الجانب المدلل لو صح القول.
فلو أخذنا على سبيل المثال ما يمر به النازحون من أهالي الانبار الكرام من ترويع ومنع وقمع وترك وإهمال تحت أشعة الشمس الحارقة دون أن تتوفر لهم أبسط مقومات الحياة من خدمات ماء وغذاء وصحة ورعاية أمنية, وما معبر أو جسر بزيبز إلا نموذجا وشاهدا حيا على ذلك, وهذه الحالة مستمرة منذ عدة أسابيع إن لم تكن اشهر!!! تلك المعاناة التي لا نحتاج إلى الكتابة عنها لان الجميع شاهد وسمع بها من خلال وسائل الإعلام.
بينما في الجانب الأخر أو السماط الأخر وهو الشيعي نجد خلاف ذلك تماما, فمن أجل مناسبة زيارة الإمام الحسين "عليه السلام " زيارة - النصف من شعبان - وهي من الباب الشرعي غير واجبة, وإنما مستحبة, تصرف المليارات من الدنانير والدولارات من حيث توفير الخدمات الصحية والأمنية والنقل وتهيئة كل المستلزمات الضرورية للزائر, وهذا الأمر جيد ولا يمكن أن نقول انه سلبي أو غير جائز لا سامح الله.
لكن السلبي في الأمر هو التظاهر بالعجز المالي وقلة الإمكانيات عند الدولة وحتى المؤسسات الدينية عندما يصل الأمر للنازحين السنة الانباريين على وجه الخصوص, بينما تجد هذه الإمكانيات متوفرة وبشكل كبير عندما تخص الزائرين الشيعة؟؟!! أليس هذا تمييز طائفي عنصري ودليل على انعدام الإنسانية والأخلاق والقيم والمبادئ الإسلامية عند السياسيين وعند رموز الدين ممن كان سببا في معاناة هؤلاء النازحين بسبب ما أطلقوه من فتاوى أعطت المبرر للمليشيات بان تقوم بعمليات التهجير القسري و القتل والترويع والاغتيال ؟؟!!.
لماذا لا تصدر فتاوى من قبل هؤلاء توجب التبرع للنازحين وتقديم العون والمساعدة لهم, لماذا لا تأمر الحكومة بتشكيل غرفة عمليات خاصة أو غرفة أزمات تهتم بشان النازحين الانباريين وتعمل على توفير كل الخدمات لهم ؟!, لماذا عندما يصل الأمر لأهل السنة تكون هناك أزمات مالية وعقبات وعجز وعدم توفر القدرة والإمكانية لدى الدولة والمؤسسات الدينية ؟! وهي قضية إنسانية أخلاقية شرعية واجبة!! بينما تفتح الطاقات والإمكانات على مصراعيها ويكون السخاء والبذخ بأعلى المستويات عندما ينحصر الأمر بالشيعة ؟؟!!.
فهذا الأمر إن دل على شيء فانه يدل على إن اغلب الساسة ورموز الدين يتمتعون بالتمييز العنصري الطائفي المذهبي المقيت, وهذا الكلام يشمل أيضا ساسة ورجال الدين السنة ممن قبل ورضي بما يمر به أهله من معاناة بل جعل منها مصدرا لرزقه ومكسبه كما هو حال ساسة الشيعة ورموزهم الدينية ....
لماذا يكون التعامل مع النازحين بكل طائفية وعنصرية ومذهبية وتجرد من الأخلاق والقيم الإنسانية ؟؟ نجد الجواب في كلام المرجع الديني العراقي العربي السيد الصرخي الحسني والذي جاء ضمن محاضرته العقائدية والتاريخية الثامنة والعشرون والذي شدد فيه على التعامل مع النازحين بعيدا عن الطائفية ... إذ يقول سماحته ...
{... مئات الآلاف وملايين الناس في الصحاري وفي البراري وفي أماكن النفايات والقاذورات ....يمر عليهم لهيب الحر والسموم والشمس وحرارة الشمس وعطش الشمس ومعاناة الصيف، مر عليهم الصيف ومر عليهم الشتاء وتمر عليهم الأيام والأسابيع والأشهر والفصول والسنين ولا يوجد من يهتم لهؤلاء المساكين، لهؤلاء الأبرياء....الكل يبحث عن قدره وعن ما يضع في قدره وفي جيبه وعما يملئ به كرشه من هذه الطائفة أو من تلك الطائفة، من هؤلاء السياسيين أو من أولئك السياسيين، من هذه المجاميع التكفيرية أو من تلك المجاميع التكفيرية، من هؤلاء السنة أو من أولئك الشيعة، من هؤلاء الشيعة أو من أولئك السنة.... الكل يبحث عن جيبه، الكل يبحث عن نصيبه، الكل يبحث عن كعكته....لا يوجد من فيه الحد الأدنى من الإنسانية، الحد الأدنى من الأخلاق...حلبة من الصراع الكل يشترك بها هذه الدولة أو تلك هذه الطائفة أو تلك هذه المجموعة السياسية أو تلك هذا الفكر أو ذاك هذه الفضائية أو تلك لا يوجد نقاوة لا يوجد صفاء لا يوجد إنسانية لا يوجد أخلاق لا يوجد عدالة كله لَوَث كله شائبة كله إشراك...}.
فالتجرد من الإنسانية والأخلاق والقيم والمبادئ الإسلامية, والسعي خلف المكاسب والمنافع الشخصية الضيقة التي أصبحت معاناة النازحين سببا ومصدرا لها, وطائفية ومذهبية وعنصرية الساسة ورجال الدين هي التي جعلت من مسألة النازحين قضية لا يمكن حلها في العراق.